أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
19
العقد الفريد
فليتهما لم يجريا قيد غلوة * وليتهما لم يرسلا لرهان فقالت بنو عبس : مالك بن زهير بمالك بن حذيفة ، وردوا علينا مالنا . فأبى حذيفة أن يرد شيئا ، وكان الربيع بن زياد مجاورا لبني فزارة ، ولم يكن في العرب مثله ومثل إخوته ، وكان يقال لهم : الكملة ، وكان مشاحنا « 1 » لقيس بن زهير من سبب درع لقيس غلبه عليها الربيع بين زياد ، فاطرد قيس لبونا لبني زياد فأتى بها مكة ، فعاوض بها عبد اللّه بن جدعان بسلاح ، وفي ذلك يقول قيس بن زهير : ألم يبلغك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد ومحبسها على القرشيّ تشرى * بأدراع وأسياف حداد وكنت إذا بليت بخصم سوء * دلفت له بداهية نآد « 2 » ولما قتل مالك بن زهير ، قامت بنو غزارة يسألون ويقولون : ما فعل حماركم ؟ قالوا : صدناه ! فقال الربيع : ما هذا الوحي ؟ قالوا : قتلنا مالك بن زهير . قال : بئس ما فعلتم بقومكم ، قبلتم الدية ثم رضيتم بها وغدرتم ! قالوا : لولا أنك جارنا لقتلناك ! وكانت خفرة « 3 » الجار ثلاثا : فقالوا له : بعد ثلاث ليال اخرج عنا . فخرج واتبعوه ، فلم يلحقوه حتى لحق بقومه ، وأتاه قيس بن زهير فعاقده ، وفي ذلك يقول الربيع : فإن تك حربكم أمست عوانا * فإني لم أكن ممن جناها « 4 » ولكن ولد سودة أرّثوها * وحشوا نارها لمن اصطلاها « 5 » فإني غير خاذلكم ولكن * سأسعى الآن إذ بلغت مداها ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد اللّه بن غطفان إلى بني فزارة وذبيان ، ورئيسهم الربيع بن زياد ، ورئيس بن فزارة حذيفة بن بدر .
--> ( 1 ) المشاحن : الحاقد ( 2 ) النآد : الداهية ( 3 ) أي إذا أجاره ومنعه وأمنه ( 4 ) العوان : هي من الحروب التي قوتل فيها مرة ( 5 ) ولد سودة : هم بني بدر بن عمرو